مجمع البحوث الاسلامية
521
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
التّأويل الّذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب وعائشة ، وهو أنّ كلّ من عمل سوء ، صغيرا أو كبيرا ، من مؤمن أو كافر ، جوزي به . وإنّما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية ، لعموم الآية كلّ عامل سوء من غير أن يخصّ أو يستثنى منهم أحد ، فهي على عمومها إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها ، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن قال قائل : وأين ذلك من قول اللّه : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ النّساء : 31 ، وكيف يجوز أن يجازى على ما قد وعد تكفيره ؟ قيل : إنّه لم يعد بقوله : نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ترك المجازاة عليها ، وإنّما وعد التّكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم ، كما فضح أهل الشّرك والنّفاق . فأمّا إذا جازاهم في الدّنيا عليها بالمصائب ، ليكفّرها عنهم بها ، ليوافوه ولا ذنب لهم يستحقّون المجازاة عليه ، فإنّما وفّى لهم بما وعدهم ، بقوله : نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ النّساء : 57 . ( 5 : 293 ) الزّجّاج : أي لا ينفعه تمنّيه . ( 2 : 112 ) الطّوسيّ : [ ذكر قول ابن زيد والضّحّاك وأضاف : ] وهو الّذي يليق بمذهبنا ، لأنّا نقطع على أنّ الكفّار لا يغفر لهم على حال ، والمسلمون يجوز أن يغفر لهم ما يستحقّونه من العقاب ، فلا يمكننا القطع على أنّه لا بدّ أن يجازي بكلّ سوء . ( 3 : 337 ) الواحديّ : [ ذكر قول الحسن وأضاف : ] وقال آخرون : هذا عامّ في كلّ من عمل سوء من مسلم وكافر ، ولكنّ المؤمن يجزى به في الدّنيا . ( 2 : 119 ) الطّبرسيّ : [ نحو الطّوسيّ ثمّ قال : ] ومن استدلّ بهذه الآية على المنع من جواز العفو عن المعاصي ، فإنّا نقول له : إنّ من ذهب إلى أنّ العموم لا ينفرد في اللّغة بصيغة مختصّة به لا يسلّم أنّها تستغرق جميع من فعل السّوء ، بل يجوز أن يكون المراد بها بعضهم ، على ما ذكره أهل التّأويل كابن عبّاس وغيره . على أنّهم قد اتّفقوا على أنّ الآية مخصوصة ، فإنّ التّائب ومن كانت معصيته صغيرة لا يتناوله العموم ، فإذا جاز لهم أن يخصّصوا العموم في الآية بالفريقين ، جاز لنا أن نخصّها بمن يتفضّل اللّه عليه بالعفو . وهذا بيّن ، والحمد للّه . ( 2 : 115 ) الفخر الرّازيّ : دلّت الآية على أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّرائع ، لأنّ قوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يتناول جميع المحرّمات ، فدخل فيه ما صدر عن الكفّار ممّا هو محرّم في دين الإسلام ، ثمّ قوله : ( يجز به ) يدلّ على وصول جزاء كلّ ذلك إليهم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عمّا يصل إليهم من الهموم والغموم في الدّنيا ؟ قلنا : إنّه لا بدّ وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدّنيا ؛ إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة . وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعّمهم في الدّنيا أكثر ولذّاتهم هاهنا أكمل ، ولذلك قال عليه